أصدرت محكمة العدل العليا يوم (19.6.2025) قرارها في الالتماس المقدّم من “مواطنون من أجل البيئة” ضد وزارة حماية البيئة (قضية 20/4726)، والمتعلّق بالأضرار البيئية والصحية الناتجة عن مجمعات النفايات غير القانونية والحرائق المتكررة في بلدة جديدة-المكر. هذا التلوث الخطير مستمر منذ سنوات طويلة ويتسبب بأذى بالغ لسكان البلدة والمنطقة، دون أن تحرّك الدولة ساكناً.
أشار الالتماس إلى أن مجلس جديدة-المكر، لا يملك الأدوات أو الموارد لمواجهة هذه الكارثة البيئية بمفرده، وطالب بإلزام وزارة حماية البيئة بالتدخل للمساعدة في إزالة مجمعات ووضع خطة عمل مشتركة لضمان عدم تكررها.
ورغم أن المحكمة قبلت الالتماس، إلا أن قرار الأغلبية (القاضيان شتاين وإلرون) تنصّل فعلياً من مسؤولية الدولة، محمّلاً العبء الكامل للسلطة المحلية، وكأنها هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الكارثة رغم أن هذه النفايات تتجمع منذ سنوات وجزء منها يتم رميه من قبل مقاولين من خارج البلدة.
أما القاضي كشير، الذي شكّل صوت الأقلية، فأكد في موقفه أن تحميل السلطة المحلية وحدها المسؤولية في هذه الظروف ليس صحيحاً، ولا يمكن للسلطة المركزية الوقوف مكتوفة الأيدي بينما المجلس المحلي ينهار تحت وطأة أزمة بيئية حادة بسبب غياب الدعم والقدرة.
للأسف، تم تجاهل موقف القاضي كشير. والأسوأ من ذلك، أن قرار الأغلبية يُعفي الدولة من التزامها الأساسي بضمان الحق في الحياة، في الصحة، وفي الحد الأدنى من الكرامة. وفقاً لهذا القرار، حتى في حالات الطوارئ البيئية والصحية القصوى، مثل حرائق النفايات التي تنتشر في جديدة-المكر منذ سنوات، فإن المسؤولية تقع فقط على السلطة المحلية– حتى عندما يكون واضحاً أن هذه السلطة لا تملك الحد الأدنى من القدرة على التعامل مع الكارثة.
قرار الحكم لا يتجاهل فقط الواقع المأساوي، بل يزوّر الحقيقة: النفايات لا تُنتج فقط من قبل سكان البلدة، بل تُنقل بكميات ضخمة من جهات خارجية إلى أراضٍ مفتوحة، دون أي ردع أو رقابة من الدولة.
وفي محاولة للالتفاف على هذا التناقض، يقترح القاضي شتاين أن ينظر وزير الداخلية في تعيين لجنة بديلة لإدارة المجلس المحلي في مثل هذه الحالات – وكأن تعيين لجنة سيحلّ الأزمة التي ساهمت فيها الدولة نفسها. الواقع أن هذه البلدة، مثل كثير من البلدات العربية، تعاني من تهميش تاريخي متعمد، وانعدام الموارد، وغياب أي قدرة لمواجهة عصابات الجريمة البيئية. تعيين لجنة لن يغيّر شيئاً.
قرار الحكم هذا لا يُعد فقط تجاهلاً صارخاً للمشكلة، بل يُشكّل استمراراً للتمييز المؤسسي والإهمال المتعمد تجاه البلدات العربية. الدولة، من خلال حكومتها ومحكمتها، ترفض تحمل مسؤوليتها القانونية والأخلاقية، وتترك آلاف المواطنين ضحية لتلوث قاتل، بحجة “المسؤولية المحلية”.
لنصّ القرار: هنا


