الشراكة بين المواطن والسلطة المحليّة ودورها الأساسي في بناء الحصانة المجتمعيّة

أزمة كورونا وما رافقها من الواجب في العزلة وعدم التواصل الفعلي على الصعيد المحلي، والقطري والعالمي، أظهرت لنا بشدة أهمية الحصانة المجتمعية المحلية، ومدى الحاجة لتعزيز الجاهزية المحلية للأزمات ولتنظيم العمل الجماهيري على المستوى العام والمحلي بشكل خاص.

شهدنا ظاهرة اجتماعية مميزة أثناء الأزمة تجلت في إنشاء مجموعات محلية من المتطوعين والمتطوعات بهدف الدعم والمساعدة عبر توزيع الطعام، التواصل مع المسنين والعائلات التي تعاني من أزمات اقتصادية، تفعيل ومرافقة مجموعات مختلفة وغيرها من فعاليات أخرى. بحيث لبّت هذه المجموعات، بما آتتها من قدرة، احتياجات ماسة وواقعية لم تجد وجهة عون أخرى.

الحصانة المجتمعيّة هي قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات والكوارث بشكل مرن عن طريق التعاون والتكافل بين جميع مركّباته. كلّما كانت قدرة المجتمع على مواجهة أزمة بشكل أنجح وأنجع، فإنّ حصانته تصبح متينة أكثر مما يعزز الثقة بين أفراده ويقوي وحدتهم.

نلاحظ للأسف، ضعف حصانتنا المجتمعيّة في مواجهة الأزمات بالإضافة لقلة جهوزية بلداتنا العربية بالتعامل معها بشكل عام ومع الكوارث البيئيّة بشكل خاص. ينبع هذا الضعف من عدّة مركّبات من خلال هذه المقالة سأتطرق لإحدى أهمها، وهو علاقة المواطن من السلطة المحلّية.

خلال عملي في الحقل بما يشمله من لقاءاتٍ مع العديد من الناشطين والفعّالين اجتماعيا وبيئيّا، أواجه لديهم حالة الإحباط وتجربتهم بعدم وجود عنوان محلي داخل السلطة المحلّية الذي من شأنهم أن يتوجّهوا إليه، بالإضافة لعدم وجود قنوات إعلامية أو تواصليّة بين السلطة المحلّية والسكان. إنّ عدم الاستماع إلى آراء الناشطين في شتّى المواضيع وبالتالي كبتهم لها يؤدي إلى اغتراب السكان وامتعاضهم فتقلّ الثقة المتضعضعة أصلا تجاه هذه السلطات.

تقع العلاقة بين السلطة والمواطن على سلم أو طيف من الدرجات، ويطلق على هذا السلم اسم “محور التمكين”، بحيث نجد في أحد أقطابه “عدم المشاركة” وفي القطب الآخر نجد “المسؤوليّة الكاملة” فيما يتمثّل الوضع النموذجي في منتصف هذا السلم، حيث يشارك المواطنون في آرائهم وتطلّعاتهم ضمن منظومة مهنية توفّرها السلطات المحلية. عند لقائي بمتّخذي القرارات، أحرص على التشديد على أهمية إنشاء خطط العمل التي تهدف إلى بناء جاهزية للتعامل مع الأزمات. وبدورها فإنّ هذه الخطط لا بد من لها من أن تتضمّن كجزء أساسي منها، عمليّة مشاركةٍ جماهيرية طامحة إلى أعلى مستويات الشراكة. في هذا الإطار من الضروري تناول موضوع ثمن الشراكة وقوّتها في إحداث التغيير، على عدّة مستويات من العمل المشترك وعدة مفاهيم ترافقه:

اشراك: تعني عملية الإشراك أن يقوم متخذو القرار وصانعو السياسات، المهنيون وقادة المجتمع بتحديد مساحة محددة (وأحيانا فرضها) لإشراك جمهور المواطنين في القضايا التي تخصّهم وتؤثّر عليهم.

اشتراك: هو مفهوم آخر ينتج عنه عمل مشترك، وينصّ على مبادرة جمهور المواطنين للمشاركة في عملية اتخاذ القرارات في القضايا التي تخصّهم، أي مبادرة الجمهور المدني الذي يطمح إلى أن يكون البادِئ بالعملية فيتحكم في عملية العمل المشترك.

شراكة: هي نموذج يدمج بين الإشراك والمشاركة، ويعكس مبادرةَ كلا الطرفين ويعبر عن المساواة في الحقوق والالتزامات في العملية. هي عملية متناظرة وتنبع من اختيار (عدم الإجبار). علاقات العمل فيها تتميز بالهدف المشترك، الاحترام المتبادل والاستعداد للتفاوض. وهذا يعني مشاركة المعلومات، والمهارات، واتخاذ القرار والمساءلة.

يجب على السلطة المحلّية أن تطمحَ إلى شراكةٍ مع المواطن. فمن الطبيعي أن تكون السلطة جاهزة للاستثمار بهذه الشراكة لإيجابياتها: جمع الموارد المواجهة للمعضلة وتوسيعها، وشراكة في الربح والخسارة، وفرص جديدة، وتجدّد في المشاريع وابتكار حلول للتحدّيات.

مع الأسف، فإنّ غالبيةَ السلطاتِ المحلّية تتوقف عقب صعوبات وأثمان بناء الشراكة مع المواطن وأهمها: بذل الموظفين وقتا وطاقة أكبر؛ وهذا لأن العلاقة بين طرفين تحتاج لبذل مجهودات للتعارف، وبناء لغة مشتركة وللتجسير في حالات اختلاف وجهات النظر، هذا عدا عن تقاسم الشهرة وفقدان السلطة، السيطرة “والمعرفة” هذه العوامل جميعها تحدّ من بناء قنوات تواصل بين السلطة المحلّية والمواطن.

الاستعداد للأزمات بشكل عام وللأزمة البيئية بشكل خاص يقع أولا وأخيرا على السلطة المحليّة. الاستعداد سيقلل من الأضرار في الأرواح، والممتلكات والبنى التحتيّة خاصّة في البلدات الضعيفة التي تعاني من بنى تحتية قديمة ومتداعية، والاكتظاظ، ونقص التخطيط ونقص البنية التحتية المحلية مثل محطات الإطفاء وأنظمة الصرف الحديثة.

تلعب السلطة المحلّية دورًا مركزيًا وأساسيًا في بناء الشراكة المجتمعية التي تنعكس في الأنشطة الجارية للسلطة المحلية وليس فقط في حالات الطوارئ أو في إعداد البنية التحتية المادية المطلوبة لحالات الطوارئ، ولكن يقع دورها أيضًا في إنشاء أنظمة منسّقة بين جميع الهيئات ذات الصلة بهدف تقصير أوقات التنبيه والاستجابة، في توعية السكان وإشراك الجمهور في العمليات الجارية.

في الختام، إنّ التنظيم والعمل الجماهيري لا يتجزآن. فالنشاط لحل مشاكل بيئية يجب أن يكون مرتبطا ومتداخلا مع العمل الجماهيري عامة. من واجب السلطات المحلّية دعم وتشجيع مجموعات المتطوعين/ات من خلال مرافقتهم ودعمهم لتحقيق أهداف المجموعة، وتعزيز دورها في الحصانة المجتمعية والتجهيز لمواجهة أزمات مستقبلية متوقعة (والتي قد تكون أزمات صحية، وأوبئة، وظروف مناخية، واقتصادية، وغيرها العديد).

كاتبة المقال: جهينة بدر نمارنة، حاصلة على ماجستير في العمل الاجتماعي، متخصصة في مجال القيادة والتغيير المجتمعي في جمعية “مواطنون من اجل البيئة”.

شارك

المزيد